محمد بن جرير الطبري

404

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وقد بينا أيضًا معنى " الرّكوع " " والسجود " بالأدلة الدالة على صحته ، ( 1 ) وأنهما بمعنى الخشوع لله ، والخضوع له بالطاعة والعُبُودة . ( 2 ) * * * فتأويل الآية ، إذًا : يا مريم أخلصي عبادةَ ربك لوجهه خالصًا ، واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه ، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس ، والتفضيل على نساء عالم دَهرك . * * * القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله ذلك : الأخبارَ التي أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران وابنتها مريم ، وزكريا وابنه يحيى ، وسائر ما قصَّ في الآيات من قوله : " إن الله اصطفى آدم ونوحًا " ، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله : " ذلك " ، فقال : هذه الأنباء من " أنباء الغيب " ، أي : من أخبار الغيب . ويعني ب " الغيب " ، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطَّلع أنت ، يا محمد ، عليها ولا قومك ، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم . ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه ، حجةً على نبوته ، وتحقيقًا لصدقه ، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين ، الذين يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ، ولم يدرك معرفتها مع خُمولها عند أهلها ، إلا بإعلام الله ذلك إياه . إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب ، فيصل إلى علم ذلك من

--> ( 1 ) انظر تفسير " السجود " فيما سلف 2 : 104 ، 105 ، 242 ، وفهارس اللغة ، وتفسير " الركوع " فيما سلف 1 : 574 ، 575 / ثم 3 : 43 ، 44 ، وفهارس اللغة . ( 2 ) في المطبوعة : " العبودية " ، وأثبت صواب ما في المخطوطة ، والطبري يكثر من استعمالها كذلك . انظر ما سلف : 271 ؛ والتعليق : 1 .